سيد محمد طنطاوي

344

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

التصرف في القاتل ، حتى لكأنه مملوك له . وما دامت شريعة اللَّه - تعالى - قد أعطت الولي هذا السلطان على القاتل ، فعليه أن لا يسرف في القتل ، وأن لا يتجاوز ما شرعه اللَّه - تعالى - . ومن مظاهر هذا التجاوز : أن يقتل اثنين - مثلا - في مقابل قتيل واحد أو أن يقتل غير القاتل ، أو أن يمثل بالقاتل بعد قتله . قال الآلوسي ما ملخصه : كان من عادتهم في الجاهلية ، أنهم إذا قتل منهم واحد ، قتلوا قاتله ، وقتلوا معه غيره . . . وأخرج البيهقي في سننه عن زيد بن أسلم أنه قال : إن الناس في الجاهلية كانوا إذا قتل من ليس شريفا شريفا ، لم يقتلوه به ، وقتلوا شريفا من قومه ، فنهوا عن ذلك ، كما نهوا عن المثلة بالقاتل . وقرأ حمزة والكسائي : « فلا تسرف » بالخطاب للولي على سبيل الالتفات « 1 » . وقوله : * ( إِنَّه كانَ مَنْصُوراً ) * تذييل المقصود به تعليل النهى عن الإسراف في القتل . والضمير يعود إلى الولي - أيضا - . أي : فلا يسرف هذا الولي في القتل ، لأن اللَّه - تعالى - قد نصره عن طريق ما شرعه له من سلطان عظيم ، من مظاهره : المطالبة بالقصاص من القاتل ، أو بأخذ الدية ، ومن مظاهره - أيضا - وقوف الحاكم وغيره إلى جانبه حتى يستوفى حقه من القاتل ، دون أن ينازعه منازع في هذا الحق . ومنهم من يرى أن الضمير في قوله * ( إِنَّه ) * يعود إلى المقتول ظلما ، على معنى : أن اللَّه - تعالى - قد نصره في الدنيا بمشروعية القصاص والدية حتى لا يضيع دمه ، ونصره في الآخرة بالثواب الذي يستحقه ، وما دام الأمر كذلك فعلى وليه أن لا يسرف في القتل . ويبدو لنا أن الرأي الأول أقرب إلى الصواب . لأنه هو الظاهر من معنى الآية الكريمة . قال ابن جرير بعد أن ساق الأقوال في ذلك : وأشبه ذلك بالصواب عندي ، قول من قال : عنى بها - أي بالهاء في إنه - الولي ، وعليه عادت ، لأنه هو المظلوم ووليه المقتول ، وهي إلى ذكره أقرب من ذكر المقتول ، وهو المنصور - أيضا - لأن اللَّه - جل ثناؤه - قضى في كتابه المنزل ، أن سلطه على قاتل وليه ، وحكمه فيه ، بأن جعل إليه قتله إن شاء ،

--> ( 1 ) تفسير الآلوسي ج 15 ص 70 .